حيدر حب الله
56
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
من ورائها الحدس بالحكم الشرعي ، لكن رغم أنّ علماء أصول الفقه الشيعي بعد الوحيد البهبهاني ( 1205 ه ) قد أطاحوا بنظريّة الاحتياط في الشبهات البدويّة وحصروها بمجالات محدودة من أمثال موارد العلم الإجمالي « 1 » ، إلا أنّ ظاهرة الاحتياط في الفتوى غزت النتائج الفقهيّة على نطاق واسع ، دون أن يكون هذا الاحتياط منهاجا اجتهاديا كما كان عند القدماء ، سيما منهم ابن زهرة الحلبي ( 585 ه ) صاحب « غنية النزوع » « 2 » ، وابن الجنيد الإسكافي وفق ما قيل عنه من عمله بالرواية الأحوط عند التعارض واختلاف الحديث « 3 » ، ولظاهرة الاحتياط المتأخّرة أسباب كثيرة منها أنّ الفقيه قد تكاثرت أمامه الآراء ، فشعر بالوجل والتواضع العلمي إزاءها وأقنع نفسه بأنّ الوصول إلى نتيجة حاسمة أمر ليس باليسير ، لأنّه يتطلّب تجاوز كل هذه الآراء والاقتناع بفسادها جميعا ، وهو أمر لم يكن سهلا ، ولهذا وجدنا أنّ الشهرة الفتوائية - رغم عدم الاعتقاد بها عند الكثير من الأصوليين المتأخرين - كان لها دور كبير في منح الفقيه اطمئنانا بالنتائج التي توصّل إليها ، فصار الوثوق بالنتيجة أسرع والاحتياط أقلّ حضورا على هذه الجبهة . إنّ هذا الواقع ، يؤكّد أيضا على أنّ البدايات الأولى لحركة أيّ علم يكون اليقين فيها متوفرا عادة بدرجة أكبر ، وإن كنا نعتقد بأنّ هذه البدايات تحتوي - وعادة أيضا - على شكّ من جهة أخرى . وأمّا الشواهد التي أقيمت على الفرضية الأولى - أي الأخذ بالأخبار عن تعبّد لا عن يقين - فهي أيضا غير قادرة على ترجيح هذه الفرضيّة على نظيرتها ، كما سنلاحظه لاحقا بشكل أكبر إن شاء اللّه تعالى ، لأنّ التتبّع الرجالي لا يؤكّد أبدا أنهم عملوا بالنصوص الروائيّة انطلاقا من حجية خبر الثقة الظنّي ، ذلك أنّ الفرضية التي تقوم على أساس أخذهم باليقين يمكنها - هي الأخرى - أن تفسّر ظاهرة الاهتمام الرجالي في الوسط الشيعي ، لأنّه ما دام اليقين هو المعيار فمن المنطقي جدا أن يدرس الباحث طبيعة الناقلين للأخبار ، إذ لا يجدر الشكّ في أنّ أحوالهم تساعد بشكل كبير على الوصول إلى
--> ( 1 ) - يقصد بالشبهة البدوية ، كلّ شك متجرّد عن أيّ علم ، مثل الشك في وجوب صلاة العيدين عصر الغيبة ، أما العلم الإجمالي فيعني الشك المقرون بعلم ، مثل العلم بوجوب إما الجمعة ظهر يوم الجمعة أو الظهر ، فكل من الجمعة والظهر مشكوك لكن مع هذين الشكّين يوجد علم بوجوب إحدى هاتين الصلاتين ، راجع : محمد صنقور علي ، المعجم الأصولي : 651 - 652 . ( 2 ) - راجع اعتماد ابن زهرة على الاحتياط بوصفه دليلا إلى جانب بقية الأدلة سيّما الإجماع ، غنية النزوع ، قسم الفروع : 35 ، 36 ، 37 ، 48 ، 50 ، 55 ، 58 - 59 ، 63 ، 64 ، 66 ، 67 ، 69 ، 77 ، 78 ، 79 ، 80 ، 81 ، 82 ، 87 ، 88 ، 94 ، 96 ، 98 ، 99 ، 100 ، 102 ، 104 ، 105 ، 111 ، 112 ، 113 ، 121 ، 124 ، وغيرها من الموارد الكثيرة . ( 3 ) - دائرة المعارف الإسلامية الكبرى ( عربي ) 2 : 610 ، 611 .